فسلم عليهن وهن واقفات، إذ كان الرجل يراعي الأدب والوقار ويرفض الجلوس، بينما كانت زوجة عمها تحاول تأخير خروجه بإطالة الحديث وإلقاء الكلام، لتمنحه فرصة أكبر للتمعن في البنات اللاتي ظهرن في أبهى زينة. أما هي — الجاهلة التي تكبرهن بسنوات — فليس من حقها حتى أن تحلم أو تُعامل بآدمية مثلهن؛ فأقصى أمانيها حظيرة الطبخ وأواني الأكل، ليمتدح الناس طهيها بعد أن يشبعوا!
شعرت بخنقة تملأ صدرها وتكتم أنفاسها، فانسحبت بسكات من الباب الخلفي للمطبخ صوب شاطئ النيل المتاخم لبيوتهم. لم تكن تعلم أن هناك من خرج في الوقت ذاته من الباب الآخر ليتمشى في الهواء الطلق، متأملاً جمال المكان وروعة المشهد عبر الهاتف بعد أن استأذن صاحب الأمر، يلتقط به صوراً ويسجل لحظات ساحرة، في انتظار أن يفرغوا من إعداد وجبة الغداء التي أصروا على إكرامه بها.
فكان النيل في تلك اللحظة هو الصدر الوحيد الذي اتسع لزفرات صابرين المحترقة. ارتمت على النجيل الرطب، تاركةً لجسدها المنهك أن يتنفس بعيداً عن أدخنة المطبخ وسموم الكلمات التي نفثتها عمتها بالأمس تتردد في ذهنها ردا على رفض ابن شقيقها رجلا تراه المناسب لشقيقته المجنونة العانس .يا حظك القليل يا صابرين، مكتوب عليك الهم لحد الممات.
بكت بمرارة، تشعر أنها "سقطت من حسابات الزمن"، فلا هي نالت حظ المتعلمات، ولا هي ظفرت بجمالٍ يفتح لها أبواباً مغلقة، بل صارت في نظر أهلها مجرد "يد عاملة" لا يحق لها أن تكلّ أو تملّ. عندما جفت مآقيها، شعرت بثقل في رأسها، فنزعت طرحتها لتتحرر من قيدها الأخير. انفرط شعرها الحريري الطويل كشلال أسود غطى ظهرها المكسور، ومالت بجسدها نحو حافة الماء المنساب لتبلل وجهها وشعرها، لعلّ برودة النيل تطفئ نار قلبها.
في تلك اللحظة، قطعت صمت المكان حشرجة خافتة لم تكن من خرير الماء. التفتت بذعر، لتجد رجلاً يقف على مسافة قصيرة، يرتدي جلباباً أبيض ناصعاً وعقالاً يمنحه هيبة غريبة عن المكان. كان يحمل هاتفه، والعدسة موجهة نحوها تماماً. توقفت أنفاس صابرين. تجمدت الدماء في عروقها وهي تدرك أن هذا هو "الشيخ" الذي جاء مع ابن عمها الذي أعدّ لاستقباله منذ أسبوع، ولكن لماذا ترك الجميع والاحتفال المقام على شرفه وجاء إلى هنا؟
ارتدت قدمها للخلف برعب، تلملم الطرحة في يدها بتوتر ظاهر شعر به، فهمَّ أن يطمئنها:ـ اطمني يا بنت الحلال، أنا ما قصدي أتجسس ولا أصورك، أنا...قاطعته شاهقة بفزع فور أن رأت قدمه تخطو نحوها، لتجفله برد فعلها حين قفزت فجأة كغزالة صغيرة، لمت خصلات شعرها المبللة بيدين ترتجفان، وركضت نحو باب المطبخ الخلفي دون أن تنظر خلفها، هاربةً من نظراته ومن "الفضيحة" التي توهمت أنها حلت بها.
على الضفة الأخرى من المشهد، أنزل الرجل هاتفه ببطء، وعيناه لا تزالان معلقتين بالأثر الذي تركته خلفها. لم يكن ينوي تصويرها، فقد جاء ليوثق جمال الغروب على النيل في صعيد مصر، لكن الكاميرا اقتنصت دون إذن منه "عروساً للنيل" حقيقية. ورغم اندهاشه من رد فعلها المبالغ فيه، إلا أنه تعاطف معها وقدر موقفها، ولكن من تكون من أهل المنزل؟ وقد تعرف عليهم جميعاً منذ لحظات ولا يتذكر أبداً أنها منهم.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.