تنهدت نهلة وهي تشعر بما يعتمل في صدره، ورغبت في أن تخفف عنه بعدما عرفت تفاصيل ما حدث من أختهم الكبرى، فقالت:
ـ لأ مش محصل بعضه يا منتصر.. وانت مادام على صح متخافش ولا تاخد في نفسك، هي كمان عارفة إنك صح، بس ضعفها من ضغط الناس هو اللي بيحركها.. اعذرها يا منتصر.تنهد هو الآخر بثقل وقال:
ـ عاذرها وربي عالم.. متأكد إنها هتلاقي فرصة إن شاء الله، أختي لا ناقصة ولا عاجزة، ده غير إنها حلوة وعليها نفس في الأكل يهبل! بس هي حمارة مش حاسة ولا فاهمة!ضحكت نهلة مقتضبةً الحديث بمزاح مقصود لتلطيف الجو:
ـ بكرة تفهم لما ربنا يكرمها إن شاء الله وتلاقي ابن الحلال.. تحل عقدتها وعقدتنا إحنا كمان!
ابتسم منتصر ابتسامة خفيفة دون أن يرد، وظل شاخصاً إليها في صمتهو يعلم في قرارة نفسه أنه يظلمها بوقوف حالها إلى جواره حتى تُحَلَّ عقدة أخته، غير أنه خيَّرها مراراً ورجاها أن تبحث عن نصيبها وتلتفت لحياتها، لكنها كانت ترُدُّه دوماً بالرفض وتستمسك به وبعهدهما. الله وحده أعلم إلى متى ستظل على رأيها وتصمد أمام هذا الانتظار الطويل؛
انتظار تزويج أخته التي أهدرت ما مضى من عمرها بين الوهم والظلم، والتي يستحيل أن ترضى لها الفطرة السليمة أن تُستكمل بقية أيامها في الهم والغم مع زوجٍ لا يستحق حتى أن يُطلق عليه لفظ "رجل".........في اليوم التالي، استيقظت مبكراً كعادتها، ونظفت البيت من أوله إلى آخره دون أن تترك شيئاً يُذكر؛ حتى إذا حلّت الساعة الثامنة — موعد استيقاظ أخيها — كان الفطور قد أُعدَّ بالفعل، محاطاً بالفطير المشلتت الشاهي.
أصابت الدهشة منتصر حين أبصر الطعام ممدوداً على "الطبلية"، بينما أمه تدعوه للجلوس وتناول الطعام، في حين وقفت صابرين خافضة عينينها إلى الأرض خجلاً منه، ومكسورة النفس بعد نوبة الانهيار التي ألمّت بها بالأمس. قالت الأم بلهجة ودودة:ـ اقعد يا ولدي.. ده الفطير عملاه أختك بإيدها، وانت عارف عاد عمايل أختك اللي تشهد بيها البلد كلها!
ردّ منتصر بصوت متأثر وهو يدنو منها ليقبل رأسها:ـ مش محتاجة شهادة يا امه!كانت أخته كالملائكة في رقتها وطيب أصلها؛ وللأسف لا يعلم جَوهرها الحقيقي أحدٌ غيرهم، وهي أحق الناس بالسعادة. سألها بحنو:ـ عاملة إيه النهاردة؟ كويسة ولا لسه شايلة مني؟ابتسمت بإحراج وقالت:ـ ده أنا أشيل من الدنيا كلها إلا انت يا خوي يا غالي!
نظرت إليهما إحسان — أمهما الجالسة على الأرض — بشجن، ثم رفعت يديها تدعو لهما:ـ ربنا ما يحرمكم من بعض أبداً! طب كفاية كده بقى عشان يا دوب تاكل لقمتك وتحصل ابن عمك "عزازي" في مَندرته عشان الراجل الغريب اللي جاي يزوره، وانتي يا صابرين مرّة عمك مشددة عليا لازم تيجي وتحطي إيدك في كل الأكل عشان يطلع حلو ويشرّف بنفسك!
علّق منتصر بغضب وهو يجلس على الأرض ليتناول طعامه:ـ وهما مشلولين ميعرفوش يطبخوا هما ولا بنتهم؟!ردت إحسان بطيبة:ـ ولو يعرفوا.. مفيش واحدة فيهم تغلب أختك في نفسها! الناس عشمانة فينا.. بلاش نحرجهم. جلست صابرين إلى جوارهما تأكل من الفطير الذي صنعته بيدها، لتنهي الجدال ببراءتها المعتادة:ـ وماله يا خوي؟ يعني إحنا بنخدم الغريب وهنستكتر نفسنا ع القريب؟! افطر وأروح معاكي إن شاء الله.★★★
صابرين لها أربعة أعمام؛
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.