الفصل الاول
دفعت الباب بخطوات متسارعة ولجأت إلى غرفتها، ثم أغلقتها على نفسها بإحكام. سقطت منهارة على السرير، ودفنت رأسها في الوسادة عقب خيبة أمل جديدة ومقابلة فاشلة لتزويجها؛ فلا قلبها اطمأن، ولا استطاعت تقبل العريس الذي جلبته عمتها. ومع ذلك، استبد بها الانهيار.لقد اتخذ أخوها الموقف الجريء نيابة عنها ورفض العريس، ليبقي الوضع على ما هو عليه.
لم تستطع إرغام نفسها على القبول، ولا أتاح لها اخوها الفرصة لتجربة ذلك. بدت لها الحياة وكأنها ستظل هكذا إلى الأبد، حتى تفارق الحياة باسم "صابرين المجنونة العانس".انفتح باب الغرفة بغتة، وظهر أخوها منتصر وثورة الغضب تسيطر عليه عقب شجاره مع عمته التي جاءت بعريس الشؤم. وتلته أختها صالحة وهي تتوسل إليه أن يدعها وشأنها:
ـ حن عليها خلاص يا منتصر.. سيبها في حالها دلوقت!
فصرخ فيها قائلاً:
ـ أسيبها في حالها كيف وهي مقطعة نفسها على راجل عايب؟! اصحي يا بت وبصي في عيني.. انتي عايزة تتجوزي ولا تشيلي وتمرضي؟ ولا أنا اللي مش قادر على أكلك ولبسك؟!صرخت صابرين بانهيار:
ـ لاه.. لاقي توكلني وتلبسني، بس انت مش هتدوملي، مسيرك تتجوز وتتخلف وتتشغل بعيالك! أنا بقى هقعد لحد ما أموت كدة وحيدة!
وانخرطت في موجة حارقة من البكاء. قعدت أمها إلى جوارها، وقد كانت تقف في جانب من الغرفة بقلة حيلة، فضمتها إلى صدرها وأخذت تمسد على كتفها بحنان.أما منتصر، فقد أرهقه تفكيرها الضيق وقلة تقديرها لنفسها، فقال:
ـ مش هتجوز يا صابرين.. لو قعدت العمر كله مش هتجوز غير لما أجوزك قبلي! بس بعريس بني آدم عادي، مش كهنة ولا مجنون.. انتي مش ناقصة يا صابرين!
افهمي بقى وبلاش تكرري كلام الحيزبونات عماتك وحريم عمامك، دول كل واحدة بتشوف مصلحتها ومصلحة بناتها.. انتي كمان افتكري مصلحتك وبلاش خبال!صرخ بكلماته الأخيرة وخرج وهو يغالب غضبه كي لا يبطش بها، بينما ارتمت هي في أحضان أمها تسبح في بكاء ممتلئ بالعجز.في داخلها، كانت تشعر بالارتياح لقرار أخيها، لكن الخوف المتولد من تحذيرات من حولها وحديثهم المستمر عن ضرورة الإسراع بالزواج للإنجاب، جعلها تبكي بحرقة؛
خوفاً من أن تكون قد أضاعت فرصة للحياة... رغم يقينها أن ذلك الرجل لا يمكن أن يُسمى عريساً بالأساس.★★★وقفت صابرين أمام المرآة بعد أن انفض الجمع من حولها، ومضى كلٌّ إلى حال سبيله، بعدما أوهمتهم جميعاً بأنها غارقة في النوم. وكانت في الحقيقة تتوق إليه، غير أنها قضت وقتاً طويلاً تتقلب على فراشٍ من جمر، حتى فطنت إلى أن العباءة الثقيلة التي ترتديها هي ما يضيق به صدرها؛
تلك العباءة التي أصرت عمتها على أن ترتديها أثناء لقائها بالعريس.وكانت هي — المسكينة — مطيعة كعادتها، على أمل أن تجد فيه الفرصة التي تُفرح قلبها. غير أنها، وما إن وقعت عينها على وجهه الكهل وهيئته المُنكمشة بفعل تقدم العمر، حتى انقبضت نفسُها وانكسر خاطرها، لكنها كتمت اعتراضاً لم يكن ليفيد في شيء.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.